ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
204
معاني القرآن وإعرابه
وقوله : ( لَتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) وَمِثْلُهُ ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) . و " ما " في جمع الموضعين نَفْيٌ ، أي لم يشاهدُوا هُمْ ولا آباؤهم نبيًّا . فأما الإنذار بما قدم من رسل اللَّه صلى اللَّه عليهم فعلى آبائهم به الحجة ، لأن اللَّه عزَّ وجلَّ لا يُعَذَبُ إلا من كفر بالرسُل . والدليل على ذلك قوله : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ( 1 ) . * * * قوله : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) أعلم الله عزَّ وجلَّ أنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثم يعرج الأمر إليه في يوم ، وذلك اليوم مقداره ألفُ سَنَةٍ مما تعدُونَ . ومعنى يَعْرُج ينزل ويَصْعَدُ يقال عَرَجْتُ في السِّلْمِ أَعْرُجُ ، ويُقَالُ عَرِج يَعْرَجُ إذَا صَار أَعْرَجَ . * * * وقوله تعالى : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) وقد قرئ ( خَلَقَهُ ) بتحريك اللام وتسكينها جميعاً - ويجوز خَلْقهُ بالرفع ولا أعلم أحداً قرأ بها . فأمَّا ( خَلَقَهُ ) فعلى الفِعْلِ المَاضِي . وتأويل الِإحْسَانِ في هذا أنه خَلَقَهُ على إرَادَتِه فخلق الإِنْسَانَ في أحسن تَقْوِيمٍ ، وخلق القِرْدَ على ما أحب - عزَّ وجلَّ - وخَلقُه إياهُ على ذلك مِنْ أَبْلَغِ الحكمةِ ومن قرأ ( خَلْقَهُ ) بتسكين اللام فعلى وَجْهَيْنِ : أحدهما المَصدَرَ الذي دل عليه أَحْسَنَ ، والمعنى الذي خلق كل شيء خلقه . ويجوز أن يكون على البَدَلِ فيكون المعنى الذي أَحْسَنَ خلْقَ كُل شيء . خَلَقَهُ ، والرفعُ على إضمار : " ذَلِكَ خَلْقُه " ( 2 ) . * * * وقوله عزَّ وجلَّ : ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طَينٍ ) .